‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاولات قصصية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاولات قصصية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 9 مارس 2009

صراع الديكة (نشرت في أشرعة) قصة خيالية


والدي طبيب بيطري، يأتي إليه الناس من كافة القرى المجاورة ليعالج لهم حيواناتهم المريضة، ويقدم لهم الأدوية والإرشادات حول كيفية العناية بها، ولكثرة مشاهدتي له يعالج ويتعامل مع مختلف أنواع الحيوانات والطيور، بدأت تدريجيا أتملك مقدرة التواصل معها، بدأت أفهمها وأفهم احتياجاتها، وذلك استحوذ على تفكيري وشغل بالي، فلا تراني إلا هائما في أرجاء القرية ألاحق طيرا هنا، وأمعن النظر في شاة ترضع وليدها هناك. وفي يوم من الأيام استدرجتني ملاحقتي لحمار يترنح ترنحا غريبا إلى خارج القرية حيث المزارع والبساتين، ومن بعيد لاحظت في أحد تلك البساتين الذي يبدوا أنه قد هجر منذ فترة لموت وتهاوي نخيله لاحظت حركة غريبة كأن مجموعة من الأشياء تصطدم ببعضها، لم أستطع تمييزها لبعد المسافة ولوجود شباك البستان وبعض الشجيرات في مرمى بصري، فتركت الحمار لحال سبيله وتوجهت نحوها، وكلما اقتربت تكشفت لي بعض الحقائق، إنها كائنات، نعم، ولونها أحمر قرمزي، إنها طيور، ما نوعها؟ اقتربت أكثر... يا للعجب إنها معركة طاحنة بين أربعة من الديكة، هرولت حتى وصلت إلى البستان فتحت الباب بصعوبة واختبئت خلف إحدى أشجار النخيل، أمر لا يصدق، ثلاثة من الديكة يهاجمون ديكا آخرا، لا، إنهم لا يهاجمونه إنهم يحاولون الوصول إلى شيء خلفه لم أستطع تمييزه لوجود كومة كبيرة من أوراق شجر المانجو، والديك يمنعهم بكل ما أوتي من قوة، يهاجم ذا بمنقاره ويكر على ذلك بمخالب أصابع رجليه الصغيرتين، ويضرب وجه الثالث بجناحيه، والريش الأحمر يتطاير في ساحة المعركة، بدا أنه في حالة استنفار عام، بدا أنه سيبذل روحه رخيصة دفاعا عن ذلك الشيء، عقدت الدهشة كل مفاصلي، ولغرابة الموقف وشدة وطيس المعركة لم يرف لي جفن، ولم أقوى على الحراك، ولكن بعد فترة لاحظت أن الديك المهاجَم بدت قواه تخور، وقد أنهكه التعب، وهدت عزيمته الجراح، ولما ظننت أن المعركة قاربت على الانتهاء إذا به يجري نحو تلك الكومة ويمسك برجليه شوكة نخيل ملقاة على الأرض، طويلة وسميكة، ويقفز بها في الهواء نحو أحد مهاجميه، طاعنا صدره، وجاعلا منه الدماء تسيل، ودب الرعب في الديكين الآخرين، وأخذا يفران مطلقان صيحات هلع وخوف، والثالث خلفهما يجر رجليه، حتى اختفوا عن الأنظار، لحظة صمت طويلة، وبعدها سقط الديك على الأرض كما تسقط النخلة الشامخة، استجمعت قواي وركضت نحوه، حملته بين ذراعي، ما زال يتنفس، أردت الرجوع به إلى البيت ولكن تذكرت أنه كان يدافع عن شيء ما باستماتة لا نظير لها، نظرت خلف الكومة فإذا دجاجة ملقاة على الأرض ترتجف ارتجافا شديدا، حملتها هي الأخرى ورجعت بها إلى البيت، وطوال الطريق هاجمتني آلاف الأسئلة حتى ظننت أصبت بالصداع، وصلت إلى البيت وطلبت من أبي أن يعالجهم، وأخذ يسألني بفضول عما حدث، ولكنني خرجت بسرعة عائدا إلى نفس المكان باحثا عن أجوبة، وإلا إن رأسي سينفجر، ولما وصلت أخذت نفسا عميقا وركزت كل قواي العقلية، وبدأت بالبحث، لماذا يهاجم الديكة ديكا، أو بالأحرى ماذا يريدون من دجاجة مريضة؟ هل يريدون أكلها، أم الاعتداء عليها، لا، مستحيل، لا تفكر الديكة بخبث هكذا كما يفعل الإنسان، نقبت تلك الكومة وبحثت جيدا فوجدت الجواب، توجد تحتها كمية ليست بالكبيرة من الحبوب، ويبدوا أنها قديمة، إذن الجوع هو السبب، ولكن لماذا تهاجم بعضها بعضا؟، لماذا لا تخرج للبحث عن الطعام؟ تجولت في أنحاء المزرعة فوجدتها قد سورت بشباك كبير تعلوه شبكات ملئت مسامير وحديدا تمنع دخول اللصوص، وجدت في إحدى تلك المسامير جثة ديك حاول الطيران هاربا وفشل، اتضحت كل جوانب القصة، هجر أصحاب البستان بستانهم المسور بإحكام، وقد أغلقوا الباب خلفهم، تاركين هذه الطيور دون أن يطلقوا سراحها، وربما تركوا أيضا كمية من العلف تكفي دهرا، ولكنه مع مرور الزمن قل وأصبح نادرا، فأخذت الطيور تهاجم بعضها بعضا بوحشية هكذا، خرجت أجر قدمي، وقد تركت الباب مفتوحا على مصراعيه.

الأعرج والمُعلم (قصة خيالية)




في إحدى القرى الريفية التي تكثر فيها الحيوانات الأليفة والطليقة كان هناك قط أسود عظيم الجثة، مُهاب المقام، ذو وجه بيضاوي بارز، يطغى عليه شنب كثيف الشعر، ويزرع الندب الأحمر الممتد من فوق عينه اليمنى إلى تحتها بشكل مائل من الخارج إلى الداخل في كل من يراه شعورا ممزوجا بالهيبة والخوف، ورغم أن برجله اليسرى عرج بيّن إلا أنك ترى – والدهشة تتملك قلبك وعقلك – جميع القطط كبيرها وصغيرها، ذكورها وإناثها تفقد صوابها، وترتجف شفاهها، وتصطك أرجلها إن رأته قادما من بعيد، فما إن يظهر على الأفق القط الأعرج – كما يسميه أهل القرية – وينتبه أي قط لوجوده حتى يجمد في مكانه، ويظل عاجزا عن الحراك، وكأنما أشعة سحرية تخرج من هذا الأعرج تحول كل من يراه إلى صخرة صامتة، وحتى أهل القرية تراهم حريصين أن تكون هناك مسافة أمان بينهم وبين الأعرج، ولم يجرؤ أحد منهم فيما مضى على الاقتراب منه، أو الدخول معه في تعامل ولا حتى مجرد تبادل للنظرات.
ولكن لم يعهد أبدا عن الأعرج أنه رضيع الحروب، ومشعل الفتن، بل إنه لم يدخل في عراك جدي في حياته إلا مرة واحدة، تلك التي كلفته عرجا في رجله، وندبا يشوه وجهه، ففي إحدى ليالي الشتاء الباردة المطيرة كان الأعرج قد حشر نفسه في جحر هربا من المطر ورغبة في بعض الحرارة الدافئة لشعره المبتل، ولم تمض عليه دقائق بسيطة حتى أتى أحد الكلاب الشرسة الذي كان يعاني من نفس ما عانى منه الأعرج، فلما رأى أحدا بالداخل، شرع ينبح نباحا عظيما، وغرس أنيابه في قدم الأعرج اليسرى مسببا له عاهته الأبدية، ومحاولا جره إلى خارج ذلك الجحر، ولما أفلت الكلب له، نهض الأعرج على ما تبقى له من أرجل، وكان لا يقل عن الكلب جثة، فأخذ يزمجر ويصدر أصواتا مرعبة، واشتبك مع الكلب في قتال عنيف بالأظافر والأنياب، وفي إحدى تلك المناوشات تسبب الكلب في جرحه على عينه اليمنى، فوقف الأعرج على قدميه الخلفيتين مقاوما كل آلامه وبصرخة عظيمة وجه قدماه الأماميتين كسهم صائب إلى داخل محجري الكلب، هارسا عيناه كما يهرس الخباز عجينة الطحين، فتراجع الكلب إلى الخلف ينبح نباحا متقطعا مليئا بالألم وسقط في حفرة خلفه مليئة بالأشواك، وكانت تلك نهايته، وفي الصباح تجمعت القطط وبقية الكائنات على مشهد لم تر له من قبل مثيلا، الأعرج ملقى على الأرض ويداه مليئتان بالدم، وكلب شوهت عيناه مرمي في حفرة من الأشواك لا يتحرك، وبينما كانت أعينهم موجهة إلى ذلك المشهد العجيب، نهض الأعرج بصعوبة بالغة، وأخذ يسحب نفسه، والجميع يبتعد عن طريقه خائفا مشدوها، وكانت تلك بداية أسطورته.
وفي يوم من أيام الربيع الجميلة أتى قط رمادي معتدل الجثة رشيق القوام خفيف الظل إلى القرية، وسرعان ما جذب انتباه قططها، ونال إعجابها، وأصبح مدار أحاديثها، وخفف عنهم ما كانوا يشعرون به من ضغط الأعرج، وأعطى لحياتهم معنى مختلفا غير التجهم والخوف والتسلط، لم يأبه الأعرج لقدوم هذا المتحذلق المهرج، ولم يعط له أية قيمة، وتابع حياته كما هي في السابق، إلا أنه في أحد الأيام، وبينما كانت صغار القطط تلعب في إحدى ساحات القرية، ظهر ثعبان عظيم من بين أشجار النخيل، وبحركة سريعة التقف قطة صغيرة وأخذ يغرس فيها أنيابه، فلمح القط الرمادي ما يحدث فهب مسرعا للنجدة، وكان خفيفا رشيقا، قفز في الهواء قفزة بهلوانية وحط على الثعبان بأقدامه، وعضه بأنيابه تحت رأسه عضة عظيمة لم يستطع الثعبان الإفلات منها، فلف جسده الطويل على خصر القط وبدأ يعصره عصرا بليغا، والقط يزيد في عضه ولا يفلت له، وأخذا يتقلبان على الأرض السبخة وأثارا غبارا عظيما، منع الآخرين من رؤية ما يحدث، وفي أثناء ذلك تجمعت القطط وبقية الكائنات حول ساحة المعركة، وحتى الأعرج رغم بروده لم يستطع منع نفسه من الحضور والمشاهدة، وبينما كانوا ينصتون ويشاهدون، هدأت الجلبة، وسكن المكان، فاشرأبت أعناقهم، متلهفين لمعرفة النتيجة، فإذا بالقط يظهر من بين الغبار، يترنح ويعوي من شدة الألم، وقد ترك الثعبان على وسطه علامة واضحة كحزام بقيت تشوهه طيلة حياته، إلا أن ذلك أكسبه هو الآخر هيبة واحتراما كبيرين، وبدأ الكل يرغب في مصاحبته

لحظة سقوط (نشرت في الوطن وألقيت في أمسية الإبداع/ جامعة السلطان قابوس - 2007م)


لم يبلغ نديم الخامسة والعشرين من عمره إلا وقد جازف بحياته مرات عديدة، فمنذ أن كان
طفلا صغيرا لازمه شبح الموت ملازمة الظل، ووقعت له أولى هذه المجازفات وهو لم
يتجاوز الثالثة بعد حيث كان يدور بسرعة وتهور حول إناء مليء بالمياه الساخنة، فتعثر
بأحد الأخشاب أسفل الإناء، وهوى على الأرض، مسببا ميل الإناء نحوه وانسكاب الماء
الساخن عليه، فتعرض جزء كبير من جلده لحروق شديدة، وفي أول أيامه في المدرسة كان
يتسلق سارية العلم استجابة لتحدي أحد زملائه له، مما يعكس لك بصورة جلية صفة التهور
لديه، فانزلقت يده وهوى من ارتفاع مترين، متسببا في كسر قدمه وعدة ضلوع في صدره،
وقد لاحظ كل من يلقاه للمرة الأولى هذه النزعة الغريبة لديه، وأنها ليست مجرد شقاوة
أطفال، بل هي رغبة دفينة تدفعه دائما إلى ركوب المخاطر، وإلقاء النفس في المواقف
الحرجة والشديدة بل والمميتة أحيانا، فقد شوهد مرات عديدة يتسلق أشجار النخيل منتقيا
أطولها، ومن أصبح جدعه في حالة مهترئة، ولم يمر يوم عليه لم يتعرض فيه إلى جروح
سطحية أو عميقة، أو على الأقل بعض الكدمات إلا عندما يكون في المستشفى الذي كان كل
طاقمه من المدير إلى الفراش قد حفظ نديم بن علي بن سالم عن ظهر قلب، جرب والداه
وجميع أقاربه وجيرانه وأصدقاؤه كل الوسائل في معالجة هذا المتهور وإقناعه، غير أن كل
محاولاتهم باءت بالفشل الذريع، ورغم أن جدته كان تكرر أنه سيكبر ويعقل، إلا أن مرور
الأيام لم تزده إلا إصرارا وعنادا، وأخذ يتفنن في إذاقة نفسه ألوانا من المخاطر دون حساب
وبلا تفكير، تدفعه رغبته المريضة في أن يرى الموت قبل أن يحين أوانه، فسافر إلى مناطق
مختلفة من العالم، يتسلق الجبال العالية عاري اليدين والقدمين، ويصارع الأمواج في البحار
الهائجة، ويتجول وحيدا في البراري المليئة بالوحوش المفترسة، ويتنقل في الصحاري
الحارقة المشمسة.وبعد أن تجرع كافة مخاطر اليابسة والماء، قرر أن يجرب شيئا جديدا،
قرر أن يصعد إلى السماء، ويجرب مذاق الخطر الأكبر، أن تكون بين السماء والأرض
متقلبا في الجو، ومصارعا تياراته الهوائية، حيث تجذبك الأرض نحوها، وتنجذب أنت
إليها، وفي اليوم الموعود قفز نديم من الطائرة قفزة عظيمة، ملتفا على نفسه متقلبا، وهو في
حالة هستيرية من الضحك كمن به مس من الشيطان، وأخذ يسبح في الهواء كما تسبح
الأسماك في الماء، مستمتعا بتلك اللحظة أيما استمتاع، واستمر يضحك ويضحك حتى أدرك
- وقد قارب الوصول إلى الأرض - أن مظلته ترفض أن تنطلق من مخبئها، لوهلة ظن أنه
أخطأ في شيء ما، أو أنها ستنفتح بعد عدة محاولات، إلا أنها استمرت في الرفض، بل اشتد
مقبضها صلابة ورسوخا في مدخله رافضا التزعزع أوالتحرك، ليس من عادة نديم
الاستسلام إلا أنه متسرع شديد الانفعال، فصارعها حتى كسر مقبضها، ولم تبق إلا دقائق
معدودة ويصل إلى الأرض الصلبة، خلع حزامها وحاول أن يخرجها من مكمنها بيديه إلا أن
تلك وسيلة عقيمة لا تجدِ البتة، يعرف ذلك من جرب هذا الأمر، حينها خالط فؤاده وجميع
أحشائه خليط من فزع ومغص لم يمر بمثله طيلة حياته، بدأت دموعه بالتساقط، واختلطت
بعرق جبينه وخديه، وفقد تركيزه، فتسرب اليأس إلى أعماق قلبه، وسيطر التوتر والخوف
على عقله، فتراخت قبضة يده وسقطت المظلة منها، وسقط آخر الآمال معها، وأخذ يهوي
ويهوي ويهوي، ونبضات قلبه تزداد خفقانا كلما ازدادت سرعة سقوطه، والأرض تقترب
منه، وهو يقترب منها، حينها بدأ يدرك أن هذه المرة ليست كالمرات السابقة، وبدأ طعم جديد
للموت - لم يتذوق مثله قبلا- يتسرب إلى روحه، وأخذ يتذكر المقولة التي رددها كل من
كان حوله، وسمعها أكثر من غيرها ألا تخاف الموت!؟، ولكنه في المرات السابقة كان
يسمعها دائما بعد أن ينجو من الموت، وأما الآن فهي ملء سمعه وعقله وفؤاده، تتردد بداخله
ولها صدى عظيم، وأخذ يدرك ما كان يجهل، ويا عظم ما كان يجهل! سيطر الخوف تماما
على عقله، وشل حركته كليا فلا تر إلا جفنا يرمش، وشفة تهتز، وكاد الخوف يهشم روحه
ويحطمها قبل أن تهشم الأرض وجهه وتحطم عظامه إلا أنه تدارك نفسه، وجمع شتاته،
وحاول جاهدا أن يسترد تفكيره وتركيزه، ليذوق حلاوة أن يكون الإنسان حكيما متأنيا متمهلا
ولو للحظات قليلة، وحين لم تبق إلا ثوان معدودة، أحس أنه بدأ يسيطر على عقله تدريجيا،
فاستخدمه لأول وآخر مرة وفتح بابه ولم يسمح الوقت إلا لفكرة واحدة بالدخول، لتسيطر
على روحه، ويتشربها قلبه، فارتسمت تعبيرات مبهمة على وجهه الذي لم يلبث أن اصطدم
بالأرض.

حمى العصفور (نشرت في شرفات، وترجمت ونشرت في Beacon)




في ربيعي الثاني عشر حين كنت في الصف السادس الابتدائي، وفي أحد أيام الأربعاء،


رن جرس الحصة الأخيرة معلنا نهاية يوم مجهد للجسد والروح، عدت إلى البيت أطوي


الأرض طياً، لم أدر أرجليّ كانتا تتحركان أم أن الأرض انقلبت فراشا يسحب من تحتي؟


لم تكن في مخيلتي حينئذ إلا صورة صحن مليء بالأرز واللحم، وفراش بارد ووثير، ولكن


عندما وصلت إلى قريتي ودخلت في سور مسجدنا لأختصر الطريق كعادتي في كل يوم،


تناهت إلى سمعي زقزقات حزينة قادمة من داخل المسجد الذي كان حينها قيد الإنشاء،


عبرت تلك الأصوات أغشية جسدي حتى استقرت في أحشائي فضغطت عليها، وكبحت


جماح رغباتي، وخففت من سرعة جريي.


غيرتُ مسار خطواتي، ودخلت المسجد متلهفا ومقلبا نظري ذات اليمين وذات الشمال، لم


يكن هناك أحد في المسجد سواي، أو ذاك ما ظننته إلى أن انبعثت تلك الزقزقات مرة


أخرى، فتوجهت إلى مصدرها بخطى وئيدة وعينين مفتوحتين وفؤاد مترقب فوجدت


عصفورا جميلا رمادي اللون يتقلب على الأرض وهو ما يزال صغيرا جدا، وكان يئن من


شدة الجوع - لم أتخيل حينها سببا آخر لأنينه وزقزقته المفجوعة فأنا نفسي كنت أعاني


من نفس الأمر- حملته بين يدي وسرت في جسدي قشعريرة ما زلت أتذكرها، فتلك كانت


أول مرة أحمل فيها مخلوقا صغيرا يتنفس ويعاني، احترت في الطريقة التي يمكنني أن


أساعده بها، إذ لم أشأ أن أتركه هناك، فشرعت أنقب عن عشه في محيط المسجد فلم أجد


له أثرا، وكان الجوع ما ينفك يهجم على معدتي ويعصرها، فقررت بعد تفكير أخذه معي


إلى البيت، وضعته في صندوق في المطبخ وقدمت له الماء، وأخذت أبحث عن طعام


مناسب له فلم أجد غير الأرز طعامنا المبارك، أطعمته وألقيت عليه منديلا وتركته ينام


وذهبت أنا بدوري لآخذ قسطا من الراحة.



طيلة يومي الخميس والجمعة ظللت أتردد على العصفور في بيته الصغير المزود بكافة


الاحتياجات التي ألهمني حدسي أن العصافير تحتاجها، وكنت أشعر بمسؤولية عظيمة


وخوف كبير من أن يلحقه أي أذى، ورغم أن الاعتناء بمخلوق أضعف مني أمدني بشعور


مذهل ممزوج بالسعادة والفخر، إلا أن المسؤولية أثقلت كاهلي، وبدأت أشعر أنني غير


قادر على مواصلة هذا الأمر، وفي مساء الجمعة كنت مستلقيا على ظهري في غرفة التلفاز


سارحا في بحر من الأفكار والخيالات كلها تدور حول مستقبل العصفور، موجها نظري


إلى المصباح الدائري الأصفر المعلق في السقف، ومن دون أية مقدمات بدأت أشعر


بتيارات كسل وإجهاد تسري في نواحي جسدي تمتص كل طاقة فيه حتى تركتني جثة


هامدة لا أقوى على الحراك، لم أدر ما نزل بي، كان أمرا غريبا حل فجأة، ثم بدأت ألحظ


خيوطا صفراء ممتدة تخرج من المصباح إلى كل ناحية من نواحي الغرفة حتى ملأتها، ثم


طفق المصباح نفسه يكبر وتمتد جوانبه وتتوسع في كل إتجاه، شعرت بالخوف والرهبة


فأغلقت عيني، وشعرت بالمصباح يضغط على صدري، وينشر حرارة ألهبت جوفي


وجعلت العرق يتصبب بغزارة، بدأت أفقد حواسي الواحدة تلو الأخرى، فقدت لمسي ولم


أعد أشعر بأي شيء لدرجة أن والدي الذي فقد بصره صبيا ولم يلحظ سوء حالتي كان


يلكزني بعصاه لأنهض وأستعد للصلاة، ولكني لم أشعر بشيء، وقد كنت قبل أفر هاربا


فور سماعي لوقع عصاه تخبط الأرضية والجدران، وفقدت سمعي فلم أعد أسمع إلا


همهات غريبة لم أفقه معناها، وأزيزا مستمرا في خلفيتها كان يجعل أسناني تصطك بين


الفترة والأخرى فتنتشر رجفة شاملة في جسدي كله ، ثم فقدت بصري ولم أعد أرى شيئا


إلا جواني أرز – وهو أمر غريب لم أجد له تفسيرا – كانت تلك الجواني مصفوفة فوق


رأسي صفوفا عديدة ممتدة عالياً إلى السماء، ووجدت نفسي منهمكا في عدها، أعدها


بصوت مسموع وأشير بإصبعي كلما عددت واحدة، وكلما أخطأت في العد أعدته مرة


أخرى، كان مشهدي غريبا على عائلتي، وقد ظنوا أني فقدت عقلي، أما أنا فقد كنت متأكدا


حينها أني حقيقة فقدت عقلي، وأخذت وساوس وهواجس غريبة تغزو خاطري مسببة لي


صداعا شديدا، هذا بسبب العصفور فقد نقل إليك عدوى مرض خطير، لا، هذا بسبب


المشروبات الغازية التي سكبتها في معدتك قبل قليل، لا، هذا لأنك صليت اليوم الجمعة


خارج المسجد تحت وهج الشمس، واستمر سيل الهواجس هذا يهطل على فؤادي حينا،


وأخذت صور مختلفة تمر أمامي بسرعة، وشعرت بعجز وتعب شديدين لم أمر بمثلهما في


حياتي أبدا.لم ينقذني من حالي الميؤسة تلك إلا يد والدتي الحنونة تمسح على وجهي


وتسكب عليه وعلى جسدي الماء البارد، وحينها فقط استعدت رشدي، وبدأت أسترجع


حواسي بوتيرة بطيئة، رفعَتْ رأسي وناولتني قرصين من الأسبرين، فطحنتهما بأسناني


وألحقتهما بكوب ماء، ثم قدمت لي صحنا من مرقة الفاصوليا وخبزا، وقالت لي كل فالأكل


كفيل أن يخفف عنك، أكلت ما تيسر لي، ثم غططت في نوم عميق وطويل لم أنهض منه


إلا في الصباح الباكر، نهضت وقد زالت عني كل تلك الآلام والأوجاع، شعرت أني قد


ولدت مرة أخرى، شعرت أن روحا جديدة سرت في جسدي ، خرجت من الغرفة


وواجهتني شمس الصباح بأشعتها الدافئة فاستقبلتها بسرور وانشراح، وتعجبت من سرعة


تقلب حال الإنسان، وكأن ما حدث البارحة غمامة صيف ثقيلة ما لبثت أن أتت حتى


رحلت، تذكرت العصفور فتوجهت إلى المطبخ لأطمئن عليه، فوجدته ساكنا في صندوقه لا


يتحرك، ظننته في البداية نائما، ولكنني حين انحنيت نحوه شممت رائحة غريبة، وحين


لمسته وجدته متيبسا في بعض أجزاء جسده فعلمت فورا أنه ميت، اعترتني نوبة حزن


وندم إلا أن صوتا بداخلي أخذ ينادي ألا أحزن؛ فذاك اليوم قد قدره الله أن يكون يوم سعدٍ


لي ويوم انطلاقة، ذهبت الحمى وأزيح عن كاهلي ثقل بطريقة إلهية لم يكن لي فيها دخل،


حملته ولففته في منديل، ودفنته في الساحة خلف منزلنا، وجلست على الأرض بجنبه لبرهة


مفكرا ومغالبا أحاسيس اللوم والحسرة بداخلي، وكان ذاك في يوم السبت أول أيام الأسبوع


الدراسي، فنهضت وتوجهت إلى المدرسة وأنا شخص مختلف عن الشخص الذي خرج


منها آخر مرة، ورغم أني نجوت من حمى العصفور إلا أني لم أنج من عقاب الأستاذ لأني


نسيت أن أؤدي الواجبات التي أمرنا بها، ولم يفهم ما علاقة العصفور والحمى بكل


الموضوع.